محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
181
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
فهذان الرجلان الفاضلان : حارثة بن سراقة ، ومعاذ بن جبل الأنصاريان ، رضي اللّه تعالى عنهما ، لمّا أشرف عليهما نور اليقين وتمكّن من قلبيهما أي تمكين صدر منهما ما صدر مما ذكراه من فنون العبر ، وشاهدا أمر الدارين بمنزلة رأي العين ، فسلمت أعمالهما من العيوب والآفات ، وحفظا من الهفوات والسيئات ، وطهرت منهما الأسرار والقلوب ، وسارعا في كل أمر محبوب ، وطارت أرواحهما اشتياقا إلى لقاء الواحد الفرد ، وطابت أنفسهما بالموت حتى صار عندهما أحلى من الشهد « حبيب جاء على فاقة ، لا أفلح من ندم » وكذلك غيرهما من الصحابة ، وكبار التابعين ، وأئمة الدين رضي اللّه عنهم أجمعين : ولقد أجاب معبّر عن حالهم * فاسمع مقالا صادقا مقبولا إن الألى ماتوا على دين الهدى * وجدوا المنية منهلّا معسولا وروى أنس بن مالك رضي اللّه عنه : أن حرام بن ملحان ، رضي اللّه عنه ، وهو خال أنس ، طعن يوم « بئر معونة » « 1 » في رأسه ، فتلقى دمه بكفّه ، ثم نضحه على رأسه ووجهه ، وقال : فزت وربّ الكعبة . وكان « حيان بن سلمى » فيمن حضر بئر معونة مع عامر بن الطفيل « 2 » ، ثم أسلم بعد ذلك فكان يقول : مما دعاني إلى الإسلام أني طعنت رجلا منهم فسمعته يقول : فزت واللّه . فقلت في نفسي : واللّه ما فاز ، أليس قتلته ! ! حتى سألت بعد ذلك عن قوله ، فقالوا : الشهادة ، فقلت : فاز لعمر اللّه ( والمطعون هاهنا ، واللّه أعلم ، هو : عامر بن فهيرة ) . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في شأن الأمراء الثلاثة يوم مؤتة « 3 » أخذ الراية زيد فأصيب ، ثم أخذها جعفر فأصيب ، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب ؛ ثم أخذها خالد بن الوليد « 4 » عن
--> ( 1 ) بئر معونة : بين أرض عامر وحرّة بني سليم . ( معجم البلدان 5 / 159 ) . ( 2 ) عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر العامري ( 70 ق ه - 11 ه - 554 - 632 م ) من بني عامر بن صعصعة ، فارس قومه ، وأحد فتاك العرب وشعرائهم وساداتهم في الجاهلية ، أبو علي ، ولد ونشأ بنجد ، وأدرك الإسلام شيخا ، فوفد على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو في المدينة بعد فتح مكة يريد الغدر به فلم يجرؤ عليه ، فدعاه إلى الإسلام ، فاشترط أن يجعل له يصف ثمار المدينة وأن يجعله ولي الأمر من بعده ، فرده ، فعاد حنقا ، فمات في طريقة قبل أن يبلغ قومه وله ديوان شعر . ( الأعلام 3 / 252 ) . ( 3 ) مؤتة : قرية من قرى البلقاء في حدود الشام ، وقيل : قرية من مشارف الشام ( معجم البلدان 5 / 220 ) . ( 4 ) خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي ( توفي 21 ه - 642 م ) القرشي سيف اللّه الفاتح الكبير الصحابي ، كان من أشراف قريش في الجاهلية ، أسلم قبل فتح مكة فسرّ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وولاه الخيل ، ولما ولي أبو بكر وجهه لقتال مسيلمة ومن ارتد ، ثم سيره إلى العراق ففتح الحيرة وجانبا -